
محمد زيدان خفاجي باحث سياسي
لم تكن التطورات الأخيرة في فنزويلا حدثًا معزولًا، بقدر ما جاءت كاشفة لتحول أعمق في طبيعة النظام الدولي المعاصر. فقد أعادت الضربات العسكرية، والاختراقات الأمنية، وتضارب الروايات حول مصير القيادة السياسية، طرح سؤال جوهري: هل ما زالت الديمقراطية والقانون الدولي يحكمان العلاقات بين الدول، أم أن العالم دخل فعليًا مرحلة تُدار فيها السياسة بمنطق القوة الصلبة. (تحليلات سياسية دولية)
وفق ما تداولته وسائل إعلام دولية، تعرضت فنزويلا لعمليات عسكرية وأمنية مباشرة، ترافقت مع إعلان الولايات المتحدة تنفيذ ضربات وُصفت بـ«الحاسمة»، وحديث رسمي عن إلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد. في المقابل، تحدثت الحكومة الفنزويلية عن «عدوان خارجي» وخرق فاضح للسيادة الوطنية، مطالبة بإثباتات رسمية بشأن ما أُعلن. هذا التناقض في السرديات لا يعكس فقط صراعًا سياسيًا، بل يكشف هشاشة الأطر القانونية الدولية عندما تتقاطع مع إرادة القوة.(تقارير إعلامية دولية)
تكشف الحالة الفنزويلية عن تراجع واضح لمبدأ عدم التدخل، أحد أعمدة القانون الدولي. فبدل الاحتكام إلى المؤسسات الدولية أو القنوات الدبلوماسية، جرى اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة، مع تسويق هذه الأفعال بخطاب أخلاقي أو أمني. وبهذا، تتحول الديمقراطية من قيمة مُلزِمة إلى أداة سياسية، وتُقاس الشرعية بميزان القوة لا بميزان القانون.(متابعات القانون الدولي)
ولا يمكن فصل ما جرى في فنزويلا عن السياق العربي، وخصوصًا حالة اليمن، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع التدخلات الخارجية. فكما جرى تهميش مبدأ السيادة في الحالة الفنزويلية، يشهد اليمن محاولات لإعادة تشكيل وحدته السياسية تحت ذرائع مختلفة، في ظل تصاعد خطاب الانفصال الذي تتبناه قوى محلية. هذا المشهد يعكس نمطًا دوليًا متكررًا، تُترك فيه الدول الهشّة عرضة للتفكيك حين تتقاطع الانقسامات الداخلية مع مصالح إقليمية ودولية.(تقارير أممية وحقوقية)
يقوم المشهد الراهن على تقارب في المنهج أكثر مما يقوم على تشابه في التفاصيل؛ إذ غدت القوة هي الأداة الفاصلة في إدارة الصراعات، فيما تراجعت مفاهيم الديمقراطية والوحدة الوطنية لصالح حسابات النفوذ وميزان السيطرة. وفي هذا السياق، لم تعد الدعوات إلى فرض الوقائع الجديدة أو التقسيم استثناءً، بل تحولت إلى أدوات ضمن لعبة دولية أوسع، لا تعترف إلا بمن يملك عناصر القوة.(دراسات أمنية دولية)
وخلاصة الأمر أن فنزويلا تقدم مثالًا واضحًا لعالم يتراجع فيه وزن الديمقراطية كقيمة حاكمة في العلاقات الدولية، بينما يعكس اليمن صورة موازية لهذه التحولات داخل الفضاء العربي. نحن إزاء مرحلة انتقالية تُدار فيها السياسة الدولية بمنطق الغلبة، حيث تُمنح الشرعية استنادًا إلى موازين القوة، لا إلى مبادئ القانون أو قواعد العدالة.
أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كانت القوة قد أصبحت معيار الشرعية في النظام الدولي، فما الذي تبقى من الديمقراطية والقانون الدولي، ومن يحمي الدول الضعيفة من منطق الغلبة.



