
د. قيس عبدالعزيز الدوري
عرف التاريخ الحديث حالات متعددة جرى فيها استهداف قادة سياسيين أو عسكريين خارج أطر الحرب التقليدية، عبر الغزو المباشر أو العمليات الخاصة أو الضغوط غير المباشرة. إلا أن هذه الحالات تختلف جذريًا من حيث الشرعية القانونية، وطبيعة الهدف، وحجم التداعيات. المقارنة التالية تركز على الدروس لا على التبرير.
أولاً: حالة مانويل نورييغا – بنما (1989)
قامت الولايات المتحدة بتنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق ضد بنما، انتهت بإلقاء القبض على الحاكم العسكري مانويل نورييغا ونقله لمحاكمته في الولايات المتحدة.
عسكريًا، لم تكن العملية جراحية أو محدودة، بل غزوًا شاملًا استخدمت فيه القوات البرية والجوية لتحقيق تفوق سريع. ورغم نجاحها التكتيكي، إلا أنها أسفرت عن خسائر بشرية كبيرة وأضرار واسعة للبنية التحتية.
قانونيًا، استندت واشنطن إلى ذرائع حماية مواطنيها ومكافحة المخدرات، لكن غالبية فقهاء القانون الدولي اعتبروا العملية انتهاكًا صريحًا لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة.
سياسيًا واستراتيجيًا، نجحت الولايات المتحدة في إزالة نورييغا، لكنها خسرت رصيدًا أخلاقيًا كبيرًا في أمريكا اللاتينية، وترسخت صورة القوة المتجاوزة للقانون الدولي.
ثانيًا: حالة الرئيس الراحل صدام حسين – العراق (2003)
أدى الغزو الذي قادته الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، رحمه الله ثم إلقاء القبض عليه لاحقًا بعد انهيار الدولة.
من الناحية العسكرية، كان التفوق الغربي ساحقًا، والقبض على الرئيس لم يتم عبر عملية خاصة معزولة، بل كنتيجة لانهيار كامل للنظام السياسي والعسكري.
قانونيًا، لم يحصل الغزو على تفويض صريح من مجلس الأمن، وبقيت شرعيته محل نزاع دولي عميق.
أما النتائج، فكانت كارثية على المستوى الاستراتيجي: تفكك الدولة، صراع طائفي، صعود جماعات مسلحة، وتحول العراق إلى ساحة صراع إقليمي ودولي. هذه الحالة تُعد مثالًا صارخًا على الفرق بين النصر العسكري والفشل الاستراتيجي.
ثالثًا: حالة أسامة بن لادن – باكستان (2011)
نفذت قوات خاصة أمريكية عملية نوعية داخل أراضي باكستان أدت إلى قتل أسامة بن لادن.
عسكريًا، كانت العملية عالية الدقة، قصيرة الزمن، قائمة على تفوق استخباري وتقني واضح، دون نية للبقاء أو السيطرة.
قانونيًا، شكّلت العملية انتهاكًا لسيادة باكستان، لكنها بُررت أمريكيًا على أساس الدفاع عن النفس ضد فاعل غير دولتي مسؤول عن هجمات عابرة للحدود.
وهنا يكمن الفرق الجوهري: بن لادن ليس رئيس دولة ولا يتمتع بحصانة سيادية، ما جعل التداعيات القانونية والسياسية أقل حدة مقارنة باستهداف قائد دولة.
رابعًا: حالة فيكتور يانوكوفيتش – أوكرانيا (2014)
في هذه الحالة، لم تُنفذ عملية عسكرية مباشرة للقبض على الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، بل غادر البلاد عقب احتجاجات شعبية واسعة وتدخلات وضغوط سياسية دولية غير مباشرة.
هذه الحالة تمثل نموذج الإزاحة السياسية غير العسكرية، حيث استُخدمت أدوات الإعلام، والضغط الشعبي، والعزلة الدبلوماسية بدل القوة المسلحة.
ورغم أن التغيير تم دون تدخل عسكري مباشر، إلا أن نتائجه كانت استراتيجية بامتياز، إذ دخلت أوكرانيا لاحقًا في صراع جيوسياسي دولي مفتوح.
إسقاط المقارنة على السيناريو المفترض (فنزويلا)
إذا قورن السيناريو المفترض لإلقاء القبض على رئيس فنزويلا بعملية خاصة محدودة، فإننا نكون أمام نموذج غير مسبوق تقريبًا: عملية جراحية تستهدف رأس دولة يتمتع بالحصانة السيادية، دون حرب شاملة أو تفويض دولي.
التاريخ لا يقدم مثالًا واحدًا ناجحًا ومستقرًا لمثل هذا السيناريو. فكل الحالات التي جرى فيها استهداف قادة دول: • إما تمت عبر غزو شامل بكل كلفة • أو عبر تفكيك داخلي تدريجي
• أو كانت موجهة ضد فاعلين غير دولتيين
أما الجمع بين “عملية خاصة محدودة” و“رئيس دولة قائم”، فهو وصفة شبه مؤكدة لـ انفجار استراتيجي.
الخلاصة التاريخية التجربة التاريخية تشير بوضوح إلى ما يلي:
1. إسقاط أو اعتقال القائد لا يعني بالضرورة إسقاط النظام.
2. تجاوز السيادة قد يحقق إنجازًا تكتيكيًا، لكنه يولد فوضى استراتيجية.
3. استهداف رئيس دولة بالقوة خارج الحرب الشاملة يُقوّض قواعد النظام الدولي أكثر مما يخدم الاستقرار.
الاستنتاج النهائي (برؤية محلل محايد) لو نُفذت عملية عسكرية خاصة للقبض على رئيس دولة ذات سيادة، فإن التاريخ يرجح أنها: • ستنجح – إن نجحت – لحظيًا فقط • لكنها ستُفشل النظام الدولي طويل الأمد
• وتفتح الباب أمام عالم تحكمه قواعد القوة لا قوة القانون.



