فنزويلا في قلب صراع الكبار: كيف تتقاطع مصالح واشنطن وبكين على نفط كاراكاس؟

محمد زيدان خفاجي – باحث سياسي
عادت فنزويلا لتشغل العالم مرة أخرى، ليس بسبب أحداث جديدة في الداخل، بل لأنها أصبحت نقطة تصادم في لعبة التوازنات الدولية. واشنطن تضغط من جهة عبر العقوبات ومطاردة السفن في البحر، وبكين ترد بفتح أبواب الدعم. ما يحدث الآن يؤكد أن ما يجري في كاراكاس هو في الحقيقة جزء من منافسة أوسع وأعمق بين أمريكا والصين، تتجاوز حدود الجغرافيا اللاتينية. (رويترز – أسوشيتد برس)
العلاقة بين الولايات المتحدة وفنزويلا لم تكن يومًا مستقرة، لكنها دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا مع فرض عقوبات اقتصادية ومالية واسعة استهدفت قطاع النفط بشكل مباشر. ترى واشنطن أن هذه الإجراءات أداة ضغط سياسي، بينما تعتبرها الحكومة الفنزويلية محاولة واضحة لخنق الاقتصاد وإضعاف الدولة من الداخل. وبين هذين الموقفين، ظل النفط هو العامل الأكثر حساسية في مسار الأزمة. (وزارة الخزانة الأمريكية – بي بي سي)
النفط هنا ليس مجرد مورد اقتصادي، بل ورقة سياسية بامتياز. ففنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، وهو ما يمنحها أهمية استراتيجية رغم تراجع الإنتاج خلال السنوات الأخيرة. هذا الواقع يفسر إصرار الولايات المتحدة على تضييق الخناق على صادرات النفط، خشية أن يوفر استمرار التدفق، ولو بشكل محدود، متنفسًا اقتصاديًا يسمح لكاراكاس بالصمود. (أوبك – وكالة الطاقة الدولية)
في المقابل، دخلت الصين بقوة على خط الأزمة. خلال الأعوام الماضية، أصبحت بكين من أبرز مستوردي النفط الفنزويلي، سواء بشكل مباشر أو عبر ترتيبات تجارية معقدة. بالنسبة للصين، لا يتعلق الأمر فقط بتأمين احتياجات الطاقة، بل بتوسيع حضورها الاقتصادي في أمريكا اللاتينية، وتقليل اعتمادها على مصادر تخضع للتأثير الأمريكي. (رويترز – فايننشال تايمز)
ورغم لهجتها المنتقدة للإجراءات الأمريكية، تحرص الصين على إبقاء تحركاتها ضمن حدود محسوبة. فهي تدعم فنزويلا سياسيًا واقتصاديًا، لكنها تتجنب أي مواجهة مباشرة مع واشنطن. هذا الحذر يعكس إدراكًا صينيًا لحساسية المنطقة، التي ما زالت الولايات المتحدة تعتبرها مجال نفوذ تقليديًا لها. (وزارة الخارجية الصينية – رويترز)
المشهد الحالي لا يوحي بانفراجة وشيكة، بل على العكس، يبدو أن الطرفين استقرا على سياسة ‘نفس طويل’ اساسها الضغط الاقتصادي المتبادل دون الانزلاق نحو صدام عسكري. لكن في السياسة، كل الاحتمالات وارده؛ إذ قد يفرض واقع سوق الطاقة العالمي نفسه كعنصر حاسم، يجبر القوى المتصارعة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات إذا ما تضررت مصالحها النفطية. (تشاتام هاوس – مراكز أبحاث دولية)
انعكاسات الأزمة لا تتوقف عند حدود فنزويلا. أي اضطراب إضافي في صادرات النفط يضيف عنصر قلق جديدًا إلى سوق عالمي يعاني أصلًا من توترات جيوسياسية متزايدة. ولهذا، تتابع دول “أوبك” تطورات المشهد عن كثب، نظرًا لتأثيرها المحتمل على توازنات العرض والطلب، وعلى أدوار المنتجين الرئيسيين في ضبط السوق. (أوبك – بلومبرغ)
في النهاية، ما يحدث في فنزويلا لا يمكن فصله عن السياق الدولي الأوسع. الأزمة تعكس نمطًا متكررًا، تتحول فيه الدول الغنية بالموارد إلى ساحات تنافس بين القوى الكبرى. النفط، في هذا المشهد، لم يعد سلعة اقتصادية فقط، بل أداة نفوذ تُستخدم لإعادة رسم موازين القوة العالمية. (فورين أفيرز – مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية)
من وجهة نظري، تكشف أزمة فنزويلا عن تحوّل واضح في طبيعة الصراعات الدولية. لم تعد المواجهات تُدار بالسلاح وحده، بل عبر الاقتصاد والطاقة والعقوبات. قد يختلف البعض مع هذا الطرح، لكن الواقع يشير إلى أن القوى الكبرى باتت تفضّل استنزاف خصومها بوسائل أقل كلفة مباشرة، بينما تتحمل الدول الأضعف نتائج هذا الصراع على أرضها واقتصادها.
فهل ما يحدث في فنزويلا حالة خاصة فرضتها ظروف محلية ودولية معقدة، أم أننا أمام نموذج جديد قد يتكرر مع دول أخرى تمتلك موارد استراتيجية؟