
محمد زيدان خفاجي
باحث سياسي
لم يكن الأسبوع المنصرم مجرد محطة عابرة في الأزمة اليمنية، بل جاء ككاشف حقيقي لحجم التداخل بين البعدين المحلي والإقليمي في الصراع القائم. فبينما كانت الأنظار تتابع تطورات الجبهات الداخلية، كانت خيوط المشهد السياسي تُحاك في عواصم إقليمية ودولية، حيث تحوّل اليمن مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات واختبار النفوذ بين إيران ودول الخليج، في إطار صراع إقليمي أوسع يتجاوز الحدود اليمنية (Council on Foreign Relations, 2024; Brookings Institution, 2023).
التصعيد ضد “المنظمة الدولية”.. رسائل مشفّرة؟
بدأ المشهد بالقتامة مع إعلان الأمم المتحدة عن احتجاز جماعة الحوثي دفعة جديدة من موظفيها، ما رفع العدد الإجمالي للمحتجزين إلى عشرات الموظفين، في خطوة أثارت قلقاً واسعاً في الأوساط الدولية (United Nations, 2024; Reuters, 2024). ولم يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها إجراءً أمنياً داخلياً فحسب، بل كرسالة تحدٍّ مباشرة للمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية العاملة في البلاد.
وفي نيويورك، تعالت الأصوات المنددة، حيث حذّر مسؤولو الإغاثة من شلل محتمل في وصول المساعدات الإنسانية إلى ملايين المحتاجين، الأمر الذي ينذر بتفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن (Al Jazeera, 2024). وفي المقابل، رأى محللون أن هذا السلوك يندرج ضمن محاولة إيرانية غير مباشرة، عبر الحوثيين، للضغط على الغرب واستخدام الملف الإنساني كورقة تفاوض سياسية (International Crisis Group, 2023; BBC News, 2023).
شرخ الحلفاء وتعدد الأجندات
على الجانب الآخر من المشهد، لم يعد التحالف الخليجي يبدو بالتماسك ذاته الذي طبع مراحله الأولى. إذ تشير تقارير وتحليلات سياسية إلى اتساع فجوة الرؤى بين الرياض وأبوظبي بشأن مستقبل اليمن، حيث تميل السعودية إلى البحث عن مخرج سياسي يقلل من كلفة الحرب، في حين تبدو الإمارات أكثر تمسكاً بدعم المجلس الانتقالي الجنوبي لتعزيز نفوذه في الجنوب (The Guardian, 2023; Al Arabiya, 2024).
وقد أتاح هذا التباين في الأولويات فرصة للقوى المحلية لفرض واقع جديد على الأرض، حيث نجح المجلس الانتقالي الجنوبي في تعزيز سيطرته على مناطق استراتيجية غنية بالموارد، ما وفر له هامشاً مالياً وسياسياً أوسع في اتخاذ قراراته بعيداً عن سلطة الحكومة المركزية (Associated Press, 2023; Carnegie Middle East Center, 2023).
اليمن.. منصة لاختبار التوازنات
تُظهر مجمل هذه التطورات أن اليمن بات منصة مفتوحة لاختبار التوازنات الإقليمية، حيث تستخدم إيران جماعة الحوثي لتعطيل الطموحات الخليجية، بينما تحاول دول الخليج موازنة النفوذ عبر دعم قوى محلية منافسة، في حين تكتفي الأمم المتحدة بإبداء القلق دون قدرة فعلية على إحداث تغيير ملموس في الواقع الميداني (Brookings Institution, 2023; United Nations, 2024).
وفي خضم هذا الصراع المعقّد على النفوذ والمصالح، يظل المواطن اليمني الحلقة الأضعف، والمتضرر الأكبر من استمرار الحرب وتداعياتها السياسية والاقتصادية والإنسانية.
الخاتمة والسؤال الصعب
في ضوء ما سبق، يبرز السؤال الجوهري: هل تتجه الأزمة اليمنية نحو تسوية شاملة أم نحو جولة جديدة أكثر دموية؟ تشير معظم التحليلات إلى أن الإجابة لن تُحسم داخل اليمن وحده، بل ستعتمد بدرجة كبيرة على طبيعة التفاهمات – أو الخلافات – بين العواصم الخليجية والقوى الإقليمية الفاعلة خلال المرحلة المقبلة (Council on Foreign Relations, 2024).