اخبار العراق
أخر الأخبار

الخيانة: سقطة لا يغسلها تبرير ولا يمحوها زمن 

الاستاذ الدكتور قيس عبدالعزيز الدوري

ليس هناك لفظ في القاموس الإنساني أثقل وطأة من كلمة “خائن”؛ فالخيانة ليست مجرد موقف سياسي أو تبدل في الولاء، بل هي انسلاخ تام عن المروءة، وبيع لكرامة النفس والعهد مقابل ثمنٍ بخس، سواء كان مالاً أو أماناً زائفاً. وعندما يخرج من ارتضى لنفسه هذا الدور ليتحدث بلسان الواثق، أو ليظهر في لقاءات إعلامية وكأنه بطل قومي يهدد ويتوعد، فإنه لا يفعل شيئاً سوى التأكيد على أن الخيانة مرضٌ يستشري في الروح حتى يُفقدها القدرة على التمييز بين العار والافتخار.

إن ما أقدم عليه نواف الزيدان، باعترافه بالوشاية بمن استجاروا بمنزله، هو طعنة في قلب القيم الأصيلة التي قامت عليها بيوت العرب. لذا، يجب على كل عربي ومسلم غيور أن يتبرأ من كل من خان ضيفه وغدر بدخيله؛ فالعرب قديماً كانت تموت دون ضيفها وتعتبر حماية المستجير شرفاً لا يضاهيه شرف، ومن يفتح بابه لضيف ثم يبيعه فقد خرج من ملة الكرام وخلع ثوب الرجولة والمروءة. فالإسلام جعل الوفاء بالعهد من أركان الإيمان، واعتبر الغدر صفة من صفات المنافقين، ولا يجوز للمجتمع أن يقبل مثل هؤلاء أو يفسح لهم مجالاً للتفاخر بخزيهم.

والتاريخ مليء بنماذج ظن أصحابها أنهم بوشايتهم سيصنعون مجداً، فانتهى بهم الأمر في مزبلة التاريخ؛ مثل “هوداس الإسخريوطي” الذي وشى بالمسيح مقابل قطع من الفضة فصار رمزاً للغدر، و “أبو رغال” الذي دلّ الغزاة على طريق مكة فظل العرب يرجمون قبره لقرون، وصولاً إلى “سيرو بوستوس” الذي خان “تشي جيفارا” وقدم المعلومات التي أدت لإعدامه. إن وجوه الخيانة لا تتغير، والجهات التي تستفيد من الخائن هي أول من يحتقره، لأنها تدرك أن من باع أهله أو ضيوفه لن يتوانى عن بيع أي شيء آخر.

إن ظهور نواف الزيدان في هذا التوقيت بالذات، ومن خلال منصة إعلامية، وبلهجة تحمل في طياتها التهديد والزهو بخرق مواثيق الشرف العربي، لا يمكن أن يمر مرور الكرام. إن هذا “الاستعراض” المتأخر ومحاولة إعادة تدوير الذات في قالب “صانع الأحداث” يثير الريبة في النفوس. وإني أشمُّ رائحة شيءٍ غريب في هذا اللقاء؛ فالتوقيت والجرأة في المجاهرة بالوشاية توحي بأن هناك ما يُطبخ خلف الكواليس، أو أن هناك رسائل مشفرة يُراد إيصالها عبر وجهٍ لم يعرف التاريخ له سوى صفة واحدة. فلكل من خان، ولكل من غدر بضيفه، ولكل من باع دينه وعروبته: عليه من الله ما يستحق كائناً من كان، وحساب التاريخ والآخرة أشد وأبقى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى